ابن سيده

31

المحكم والمحيط الأعظم

هواك ، ويُمِرّ عليك مستعذَبَ نَواك ، من تصوّر التعب بشدّ الرِّحال ، ومئونة التِّرْحال ، ولفْح السموم ، وعقد الطَّرْف ليلًا بسُموت « 1 » النجوم ، وتأمُّلِ السَّراب ، شَوْقاً إلى بَرْد الشَّرَاب ، والتمتع بأباطيل الخيال ، بدلًا من لذيذ محصول الوِصال ، وسائر ما يَلْحَقُ جُوَّابَ المَتالِف ، من أنواع التكالِف « 2 » ، وربما اقترن بذلك ما أحمدُ اللّه على كفايتك إياه ، من تَلف المُهْجة التي لا يَعْدلها ثمن ، وعابرُ المفازة بذلك قَمَن « 3 » ، فقد قيل : « إن المسافر ومَتاعَه لعَلى قَلَتٍ « 4 » إلّا ما وَقى اللّه « 5 » ؛ وقد قيل : إن تعب السفر ، لا يفي به شئ من الظَّفَر ، فيا لها نِعمةً عميمَةً أوردَك صَفْوتَها ، وطُعْمةً جَسيمة مَلَّكك عَفْوتها « 6 » ، هكذا تَنْمِى الجُدود ، وتُسْفِر عن مطالعها السُّعود ، عِشْ بجَدٍّ صاعد ، فربَّ ساعٍ لقاعد ، وللّه درّ أبى الطَّيِّب رَبِّ « 7 » الأمثال السَّيَّارَة ، والأقوال المُسْتعارة ، قائلا : ولَيْسَ الَّذِى يَتَّبَّع الوَبْلَ رَائِداً * كمَنْ جاءَهُ في دارِهِ رَائدُ الوَبْلِ « 8 » وشَرْح ما أجملتُ لك من ذلك : أن بارئنا جلّ وعزّ ، لمّا أراد الإحسان إليك « 9 » ، والامتنان بفضله عليك « 10 » ، ألهمه ، فأنشأ له هِمّة ليست ببدْع من هِممه ، وحكمة ليست ببِكْرٍ من حِكمه ، فإنه - وفَّقه اللّه - مَناطُ كلّ عجيبة ، ورِباط كلّ فائدة غريبة ، وما أولاه أن يُنْشَد في ذاتِه ، ما قاله أبو الطَّيِّب ذاكرا لصفاته ، وهو : إلىَّ لَعمرِى قَصْدُ كُلِّ غَرِيبَةٍ * كأني عَجيبٌ في عُيُونِ العَجائبِ « 11 » وذلك أنه - أدام اللّه مُدّته ، وحفظ على مُلكه طُلاوته وجِدّته - لما جَمَع « 12 » العلوم

--> ( 1 ) السمت : الطريق . ( 2 ) كلف الأمر وتكلفه تجشمه على مشقة وعسرة وهي الكُلَف والتكالِف . ( 3 ) قمَن : خليق وجدير . ( 4 ) القلَت بالتحريك : الهلاك . ( 5 ) خبر ضعيف جدّا : أخرجه السلفي ، وقد أنكره النووي في « شرح المهذب » فقال : ليس هذا خبراً عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما هو من كلام بعض السلف ، قيل : إنه علي بن أبي طالب . انظر الإرواء ( ح 1545 ) . ( 6 ) عفوة المال والطعام والشراب : خياره وما صفا منه وكثر . ( 7 ) في بعض النسخ : ذي . ( 8 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في ديوانه ( 2 / 283 ) ؛ يتَّبَّع : يتتبع ، الوبْل : المطر الغزير ، الرائد : الذي يجول في طلب الكلأ والماء ، والمعنى : ليس من يسعى ويجهد في طلب الخير كمن يأتيه الخير دون سعى . من تعليق مصطفى سبيتى على الديوان . ( 9 ) في بعض النسخ : إلينا . ( 10 ) في بعض النسخ : علينا . ( 11 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في ديوانه ( 1 / 268 ) ؛ وفي بعض النسخ - وهي رواية الديوان : . . . كل عجيبة . ( 12 ) في بعض النسخ : وحوى .